رواية الأرض العذراء
-1-
في الساعة الواحدة بعد ظھر یوم من أیام الربیع كان فتى في السابعة والعشرین من عمره، أشعث
أغبر في ثوب َ خِلق وبزة َ مھملة، یصعد مدارج سلم ّ خلفي في بیت ذي طباق خمسة في شارع
الضباط بمدینة سان بطرسبرج، ولم یلبث أن بلغ الطابق الأعلى وقد وقف یضرب الأرض بحذائھ
لینظفھا، ویھز بدنھ الثقیل لیبعث النشاط إلى نفسھ، وكان باب الطابق ً مفتوحا ً قلیلا، فلم یدق الجرس
ً ، ومشى في ردھة صغیرة مظلمة رأسا غیر متمھل.
بل تنھد تنھیدةً عالیةً
وصاح بصوت مرتفع أجش عمیق: «ھل نجدانوف ھنا؟».
فأجابھ صوت امرأة في مثل خشونة صوتھ وعمقھ من الحجرة المجاورة: «كلا. لیس ھنا. بل ھا أنا
ھنا. ادخل!».
قال الزائر الجدید: «ھل ھذه ماشورینا؟».
فأجابت المرأة: «نعم. أنا. وأنت. ھل أنت أوسترادیموف؟».
فقال الرجل: «نعم بامین أوسترادیموف».
ومضى یخلع نعلیھ ویعلق سترتھ في مسمار في الحائط، وإذ أتم ذلك، مشى إلى الحجرة التي صدر
منھا ذلك الصوت.
وكانت الحجرة ضیقة قذرة، ذات جدران خضراء الطلاء، لا یكاد ینفذ إلیھا الضیاء من نافذتین قد
علاھما الغبار، ولم یكن في الحجرة من الأثاث غیر سریر ّ حدیدي ُ ملقى في زاویة، ومائدة في
ٍ الوسط، وعدة كراس، ودولاب مفعم بالكتب.
وإلى تلك المائدة جلست امرأة تناھز الثلاثین، حاسرة الرأس، في ثوب أسود، رخیص الثمن، تدخن
سیجارةً.
فلما لمحت أوسترادیموف، مدت یدھا العریضة الحمراء إلیھ في صمت.
وھز الفتى تلك الید في یده ولم یقل شیئًا، ثم سقط في مقعد، وأخرج من أحد جیوبھ ً «سیجارا»
طویلة مكسورة من وسطھا
فأشعلت ماشورینا لھ عودا من الثقاب دون أن یتبادلا كلمة واحدة.
وجعل كل منھما یرسل ذوائب زرقاء مستطیلة متلویة في فضاء تلك الحجرة الضیقة، دون أن
ینظر أحدھما صوب جلیسھ.
وكان ھناك شيء من الشبھ بین ھذین الشخصین، وإن كانت تقاطیعھما لا شبھ بینھا.
نعم، في ذینك الوجھین الأشعثین، وتلك الشفاه الغلیظة، وتلك الأسنان وذینك الأنفین، كان ھناك
شيء من أدلة الإخلاص والثبات والدأب والنضال.
ً وقال أوسترادیموف أخیرا: «ھل رأیت نجدانوف؟».
فأجابت المرأة: «نعم. ولن یلبث أن یعود. لقد ذھب إلى المكتبة یحمل إلیھا بعض الكتب».
فبصق أوسترادیموف في ناحیة، ثم قال: «إني لأعجب لھ الیوم؛ إذ أراه لا یستقر على قرار من
القلق، حتى لا یستطیع الإنسان أن یقبض علیھ».
فأخرجت ماشورینا سیجارة أخرى، وأشعلتھا بتؤدة، وقالت: «لقد أضناه الملل».
فقال أوسترادیموف بلھجة المعاتب المؤنب: «أضناه الملل! وھذا الإغراق في الراحة وإشباع شھوة
النفس، حتى لیخیل إلى الإنسان أننا متبطلون لا عمل لنا، والله وحده یعلم كیف سننفذ في العمل
الذي تولینا تحقیقھ، ونبلغ نھایتھ، ثم ھو یشكو بعد كل ھذا ألم الملل؟».
ثم ساد سكون.
وراحت ماشورینا تسأل الفتى بعد لحظات: «أتلقیت أنباء من موسكو؟».
قال: «نعم. رسالة وصلت منذ أیام ثلاثة».
قالت: «وھل قرأتھا؟».
فأومأ أوسترادیموف برأسھ إیماءة الإیجاب.
قالت: «وماذا حملت الرسالة من الأنباء؟».
فأجاب: «لا بد من أن یذھب بعضنا في الحال إلى تلك الجھة؟».
فنزعت ماشورینا السیجارة من فمھا، وقالت: «ولماذا الذھاب إنھم یقولون إن الأمر سائر ً سیرا
حسنًا ھناك».
قال: «نعم. ھو ذلك، َّ ولكن ً رجلا منھم بدا ً متھما في مقدرتھ لا یعتمد علیھ، ولا یوثق بھ. وینبغي
ً التخلص منھ، ثم ھناك أشیاء أخرى. وھم یریدونك أن تذھبي أنت أیضا إلیھم».
قالت: «وھل قالوا ذلك في الرسالة؟».
فأجاب: «نعم».
فھزت ماشورینا شعرھا الغزیر، وكان ً معقوصا من الخلف عقصة واحدة، فانفرط وتدلى فوق
عارضھا في فروع مرسلة.
ثم قالت: «إذا كان الأمر كذلك، فلا نستطیع أن نقول شیئًا؛ إذ لا بد من الذھاب».
فأجاب أوسترادیموف: «بلا ریب، ولكن لا غنى لنا عن المال، ومن أین لنا بھ؟».
فبدت على وجھ ماشورینا دلائل التفكیر، ثم قالت بھدوء كأنما تخاطب نفسھا: «یجب على
نجدانوف أن یظفر لنا بالنقود».
فقال أوسترادیموف: «وھذا ھو الذي جئت من أجلھ».
فقالت ماشورینا فجأة: «ھل الرسالة معك الآن؟».
قال: «نعم. فھل تودین أن تطلعي علیھا».
قالت: «أود ذلك. ولكن لا بأس.. فسنقرأھا جمیعًا عما قلیل».
فقال أوسترادیموف في لھجة المتململ المتألم:
- «لا یكن لدیك ریب فیما أقول. فإنني قلت حق̒ا».
ّ فأجابت الأخرى: «لا ریب لدي ألبتة».
يتبع
تعليقات
إرسال تعليق